طه عبد الرحمن

37

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

موجبات العقل الخالص وحده ، فلا بد أن تتجنب أسباب التنازع والتعارض بينها وبين غيرها من الإرادات وتتجه تدريجيا إلى التوافق معها ، ثم إلى الاتحاد فيما بينها جميعا ، مكوّنة بذلك مملكة لعقلاء هم غايات في ذواتهم ، تحكمهم قوانين مشتركة هي ، الأخرى ، غايات لإراداتهم المختلفة ، أو قل ، بإيجاز ، " مملكة غايات " . وهكذا ، فبفضل مبدأ الإرادة الخيّرة ، يبدو أن بناء صرح الأخلاق في غنى عن الإقامة على قاعدة الإيمان بالإله أو قاعدة إرادته المطلقة أو ، على حد قول " كانط " ، تبدو الأخلاق " غير محتاجة إلى فكرة كائن مختلف وأعلى من الإنسان لكي يعرف هذا الإنسان واجبه ، ولا إلى سبب غير القانون نفسه لكي يتّبعه . [ . . . ] فإذن بالنسبة للأخلاق ، فليست تحتاج مطلقا إلى الدين ؛ بل تكتفي بذاتها بفضل العقل الخالص العملي " « 28 » . لكن يجوز ، بموجب ميدإ الإرادة الخيّرة ، أن تستتبع الأخلاق الدين كما يستتبع الأصل الفرع ، ذلك أن العقل الذي تنضبط به هذه الإرادة والذي يأمر بطاعة الواجب ، يتطلع إلى تحقيق الجمع بين الفضيلة التي تصحب أداء الواجب وبين السعادة التي لا تصحب بالضرورة الفضيلة ، وهذا الجمع هو الذي يدعى ب " الخير الأسمى " ؛ إلا أن العمل على تحقيق هذا الخير الجامع يوجب علينا أن نسلّم بحقيقتين إيمانيتين اثنتين : إحداهما ، خلود الروح ، ذلك أن كمال التوافق بين الإرادة والقانون الأخلاقي شرط في حصول هذا الخير ، لكن هذا التوافق الكامل لا يمكن أن يحصل إلا بارتقاء غير متناه في مدارج الكمال الخلقي ، ومثل هذا الارتقاء لا يمكن أن يتحقق إلا إذا افترضنا أن للعاقل ذاتا باقية بقاء غير محدود ، ألا وهي الروح ! والحقيقة الثانية ، وجود الإله ، ذلك أن السعادة هي حالة للعاقل في العالم تتوقف على اتفاق الطبيعة مع إرادة هذا العاقل ومع أمله في تحقق الخير الأسمى ، لكن هذا الاتفاق لا يمكن أن يتوصل إليه هو بنفسه ، لأن القانون الأخلاقي الذي تصدره إرادته مستقل عن الطبيعة التي تحيط به كما هو مستقل عن اتفاق هذه الطبيعة مع أمله ، وأيضا لأنه إذا كان هذا العاقل ، بموجب حريته ، علة لهذا القانون ، فإنه ليس هو أبدا علة لهذه الطبيعة التي ترتبط بها سعادته ؛ يلزم من هذا أنه لا بد من أن

--> ( 28 ) انظر : . 32 . p , nosiar elpmis al ed setimil sel snad noigiler aL : . E , TNAK